فخر الدين الرازي
224
تفسير الرازي
من داخل بطونها ، وأقول ليس على الظهر والجنب شحم إلا اللحم الأبيض السمين الملتصق باللحم الأحمر على هذا التقدير : فذلك اللحم السمين الملتصق مسمم بالشحم ، وبهذا التقدير : لو حلف لا يأكل الشحم ، وجب أن يحنث بأكل ذلك اللحم السمين . والاستثناء الثاني : قوله تعالى : * ( أو الحوايا ) * قال الواحدي : وهي المباعر والمصارين ، واحدتها حاوية وحوية . قال ابن الأعرابي : هي الحوية أو الحاوية ، وهي الدوارة التي في بطن الشاة . وقال ابن السكيت : يقال حاوية وحوايا ، مثل رواية وروايا . إذا عرفت هذا : فالمراد أن الشحوم الملتصقة بالمباعر والمصارين غير محرمة . والاستثناء الثالث : قوله : * ( وما اختلط بعظم ) * قالوا : إنه شحم الإلية في قول جميع المفسرين . وقال ابن جريج : كل شحم في القائم والجنب والرأس ، وفي العينين والأذنيين . يقول : إنه اختلط بعظم فهو حلال لهم ، وعلى هذا التقدير : فالشحم الذي حرمه الله عليهم هو الثرب وشحم الكلية . القول الثاني : في الآية أن قوله : * ( أو الحوايا ) * غير معطوف على المستثنى ، بل على المستثنى منه والتقدير : حرمت عليهم شحومهما أو الحوايا أو ما اختلط بعظم إلا ما حملت ظهورهما فإنه غير محرم قالوا : ودخلت كلمة " أو " كدخولها في قوله تعالى : * ( ولا تطع منهم آثماً أو كفوراً ) * ( الإنسان : 24 ) والمعنى كل هؤلاء أهل أن يعصى ، فاعص هذا واعص هذا ، فكذا ههنا المعنى حرمنا عليهم هذا وهذا . ثم قال تعالى : * ( ذلك جزيناهم ببغيهم ) * والمعنى : أنا إنما خصصناهم بهذا التحريم جزاء على بغيهم ، وهو قتلهم الأنبياء ، وأخذهم الربا ، وأكلهم أموال الناس بالباطل ، ونظيره قوله تعالى : * ( فبظلم من الذين هادوا حرمنا عليهم طيبات أحلت لهم ) * ( النساء : 160 ) . ثم قال تعالى : * ( وإنا لصادقون ) * أي في الأخبار عن بغيهم وفي الأخبار عن تخصيصهم بهذا التحريم بسبب بغيهم . قال القاضي : نفس التحريم لا يجوز أن يكون عقوبة على جرم صدر عنهم ، لأن التكليف تعريض للثواب ، والتعريض للثواب إحسان . فلم يجز أن يكون التكليف جزاء على الجرم المتقدم . فالجواب : أن المنع من الانتفاع يمكن أن يكون لمزيد استحقاق الثواب ، ويمكن أيضاً أن يكون للجرم المتقدم ، وكل واحد منهما غير مستبعد . ثم قال تعالى : * ( فإن كذبوك ) * يعني إن كذبوك في ادعاء النبوة والرسالة ، وكذبوك في تبليغ هذه الأحكام * ( فقل ربكم ذو رحمة واسعة ) * فلذلك لا يعجل عليكم بالعقوبة * ( ولا يرد بأسه ) * أي عذابه إذا جاء الوقت * ( عن القوم المجرمين ) * يعني الذين كذبوك فيما تقول . والله أعلم .